وليد المشيرعي يكتب :علي الدميني.. قاهر الصمت الذي شيّعه الصامتون !

علي الدمينيسمعت قبل أيام مع الآلاف غيري ممن تبقى من المثقفين في هذا الوطن العربي الفسيح خبر فقد الكاتب والشاعر السعودي الأشهر علي الدميني عن عالمنا إلى دار الخلد وهو الرجل الذي طالما ملأ الآفاق قلمهُ بالكلمات المضيئة والمواقف المنحازة لصف الحرية والإبداع اللامتناهي.
علي الدميني تجمعني به علاقة غير مباشرة بدأت من نعومة أظافري أي مذ تفتحت عيناي على أسماء كتاب ومثقفي اليسار الذي كان مغضوباً عليه في فترة الصحوة الجهادية ثمانينات القرن الماضي، واستمرت تلك العلاقة في النمو مع توارد الأخبار عن تحركات الفقيد على ساحة الإبداع وموقف القوى النافذة آنذاك ضد هذه التحركات ليس في حدود الجارة الشقيقة وحسب بل وفي ماجاورها من البلدان ومنها بلادي اليمن.
نعم لقد كانت تلك القوى المحسوبة على التيار الصحوي "الأمريكي" تبث سمومها من حول أديبنا الدميني في عموم المنطقة العربية شأنه شأن أقرانه من دعاة الإصلاح والتحديث ومواكبة روح العصر والذين نالهم سهام الصحويين دون اعتراف بحدود أو خصوصية، فقد كان من المألوف أن تجد صحوياً من اليمن يهاجم مثقفاً مستنيراً من السودان أو أخر من السعودية أو ثالث من مصر .. وهكذا في تناغم يعكس ماكان عليه ذلك التيار الظلامي من تنسيق بين أجنحته كل في بلاده.
وعلى هذا تنامت معرفتي بأديبنا الدميني ولطالما نظرت إليه كرمز من رموز التيار التنويري الذي كنا جميعاً نحاول التماس الأعذار لتأخره في إحداث التغيير المأمول وبناء نموذج حضاري رائد يقوى على حل مشاكل شعوبنا.
قرأت الكثير من كتابات وإبداعات الدميني كغيره من مثقفي التنوير وكثيراً ما تساءلت عن الشيء الذي يدفع مثقفاً ما إلى تبني رؤى تعيق تقدمه في الحياة وتبعده عن طموحه المشروع في الاستقرار وتحقيق النجومية والحياة الكريمة التي هي حق له كلسان حال لمجتمعه وبالتالي حرمانه من حقه في التفرغ لمهمة (التفكير والتعبير) التي هي أساس وجوده؟
ما الذي يدفع "المثقف" إلى التغريد خارج سرب المسبحين بحمد المخابرات الأجنبية ومنظومات التطرف والجمود التي فرضت وصايتها على كل تفاصيل المشهد الثقافي العربي مجيرة إياه لمصلحة صراع عالمي لا ناقة لشعوبنا فيه ولا جمل؟
وكيف ينظر هذا المثقف إلى نفسه وهو حبيس المنفى الإبداعي داخل وطنه محروما من أبسط وسيلة التعبير عمّا يجيش في صدره من عاطفة وما يعتمل في رأسه من فكر
بينما يتراقص حوله آلاف الأدعياء والمزيفين الذين احتلوا مقدمة الصفوف وقادوا مجتمعاتنا إلى الوقوع في براثن التخلف والتحجر، وأخيراً موجة الإرهاب التي عصفت بنا منذ ١١ سبتمبر ٢٠٠١م ولا نزال نعاني آثارها المدمرة وسط أوطاننا الممزقة؟
تساؤلاتي آنذاك قادتني إلى الإيمان بأن رسالة المثقف الحر ومسئوليته تقتضيان أن يبقى على مسافة بعيدة عن السلطة مهما كانت إيجابيتها أو درجة تقبلها لما يصدر عنه من مواقف تتصادم مع ثوابتها ومحدداتها ومتطلبات استمرارها في إدارة الدولة وتشكيل الهرم الاجتماعي.
المفكر الوطني الحر ونموذجه الدميني يفقد جوهره وسبب وجوده حين يتخلى عن مبادئه وبالتالي دوره في التعبير عن وجدان أبناء وطنه وهمومهم وتطلعاتهم، حتى لو اتخذ ذلك الانسحاب شكلاً احتجاجياً على الواقع أو لاذ بالصمت والانكفاء بعيداً عن الاضواء، بل إن صمته يكون ادهى من الانضمام الى جوقات السلطة، فذلك يظهره في هيئة المنافق والأناني والجبان الذي يؤثر السلامة على القيام بدوره ومسئوليته الحقيقية التي تصدى لها ذات يوم ونال بفضلها صفة (المثقف الوطني) ثم لاذ بزاوية السلبية مزهواً بألقابه وما تجره عليه من سمعة وطيب ذكر.
في حياته لم يصمت الدميني ولم يستسلم أمام الفكر السياسي السائد الذي يتحسس مسدسه كلما سمع نغمة تعارض "هواه" أو تثير مخاوفه الكثيرة تجاه زوال سلطته وما يراه ضرورياً لتوحيد "الصفوف ".
أخيراً هاهو الدميني يرحل في صمت مهيب وسط مئات المشيعين من زملائه وأقرانه السعوديين الذين كانوا ذات يوم يشاركونه عنفوان العطاء الفكري المتحرر لكن "حكمة الكهول" أدركتهم فيما لم تدركه وظل قاهراً للصمت حتى يوم ترجل عن حصانه هابطاً من أعالي شيوخ القبيلة.