«كاسترو».. القامة والمعنى

raga2 2l na2ash555542008113844بقلم /فريدة النقاش /

رحل «فيديل كاسترو» تاركا إرثا خالدا للبشرية كلها، سوف يعيش هذا الإرث فى ذاكرة كل الشعوب المتطلعة لإسقاط عروش الظالمين، وبناء عالم حر حقا خال من الاستغلال والخوف، خال من الجوع والمرض والجهل، وقادر على تكريس الثروات الهائلة التي يضاعفها التقدم العلمي والتكنولوجي كل بضع سنوات تكريسها لإسعاد البشر.

عالم تكتسب فيه الديمقراطية معنى أكبر كثيرا من هذا الاختزال السطحي الذي حشرتها فيه اليبرالية الجديدة أي الرأسمالية الوحشية، وهو الانتخابات الدورية، بينما يبقى الفقر والبؤس على حالهما كأنهما ظواهر طبيعية لا دخل للبشر فيها، ولطالما كان شعار «مارجريت تاتشر» وهي تطلق مع «رونالد ريجان» الهجوم الأول لسياسات الليبرالية الجديدة، وتحطيم دولة الرفاه الاجتماعي، كان الشعار هو إن الفقراء مسئولون عن فقرهم، وليس هناك مجتمع وانما هناك أفراد فحسب.
ولم تكن مصادفة أن المضمون الأعمق للديمقراطية الذي أطلقه «كاسترو» أي التوسع المنتظم فى الحقوق الاجتماعية والاقتصاد حتى إن الأمم المتحدة وهي تقوم بإجراء مسحها السنوي للتنمية البشرية وضعت «كوبا» فى معظم الحالات على رأس قائمة الدول التي طورت الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لسكانها من حيث التعليم والصحة والغذاء والإسكان والثقافة وحقوق النساء وأنجزت كوبا هذا العمل العظيم فى ظل الحصار الأمريكي عليها الذي استمر لخمسين عامًا.
بل إن «كوبا» الاشتراكية قدمت آلاف المنح الدراسية لطلاب من بلدان العالم النامي، بل وللطلاب الفقراء من الأمريكيين الذين كانوا يتطلعون لدراسة الطب على نحو خاص، ولكنهم عجزوا عن تحقيق أحلامهم بسبب الفقر.
ومن الطبيعي أن مثل هذا الإنجاز العظيم لا يعفى التجربة الكوبية المجيدة الصامدة من انتقاد الممارسات السياسية القمعية التي اتبعتها الحكومات المتعاقبة، ولكن علينا أن نضع مثل هذا النقد فى السياق الأشمل ألا وهو التآمر المتواصل للمخابرات الأمريكية بالتعاون مع الكوبيين الهاربين من أعوان الديكتاتور «باتستا» الذي أسقطته الثورة فى نهاية خمسينيات القرن الماضي، وشكل هؤلاء طابورًا خامسًا ضد كوبا الاشتراكية.
ولكن « كاسترو» تغلب على تقييد الحريات السياسية بثقته غير المحدودة من الجماهير، وبمعرفته التي وصلت إلى حد اليقين الديني أن هذه الجماهير حين تعرف الحقائق من كل زواياها سوف تحشد طاقاتها ومواهبها دفاعا عن التجربة الاشتراكية وعن حقوقها رغم كل الصعوبات التي واجهتها، وكانت خطبه السياسية تتواصل لساعات يعلن فيها كل الحقائق للشعب الذي منحه ثقته بلا حدود.
ونجحت كوبا بقيادة «كاسترو « فى تجاوز المحنة الكبرى التي حلت بالتجربة الاشتراكية فى الاتحاد السوفيتي ثم منظومة البلدان الاشتراكية التي انفرط عقدها، وفعل ذلك كله معتمدًا على الجماهير، وهو الدرس الذي تعلمه كل من شافيز فى «فنزويلا « و» إيفو موراليس « فى بوليفيا، إذ أن الثورة بالنسبة لهذين الزعيمين من تلاميذ «كاسترو» هي تحرير القوة الثورية الهائلة الكامنة للشعب، وأوصبح الشعب فى هذه البلدان هو الحارس الحقيقي لتجربة التحول التقدمي لا الأمن.
حدث ذلك كله على العكس مما حدث فى منظومة البلدان الاشتراكية التي ارتبطت بالنموذج السوفييتي، والتحقت غالبيتها الآن بحلف الاطلنطي فى تبعية مشينة للأمبريالية الأمريكية.
ومبكرا جدا قبل أن تنطلق العولمة الرأسمالية من عقالها وتجتاح العالم وتدمر اقتصاديات الشعوب وثقافاتها قال «كاسترو» إنه من الضروري تلاقي القارات الثلاث، ولعب دورا تأسيسياً فى حركة عدم الانحياز ومساندة كل قوى التحرر الوطني ضد الاستعمار القديم والجديد وقال « إن الامبريالية نظام عالمي، ولابد من محاربتها عالميا، واضعا بذلك البذرة الأولى لعولمة بديلة هدفها الاخير هو بناء الاشتراكية.
والآن وقد تراجعت الاشتراكية على جدول أعمال الأحزاب التقدمية بما فيها حتى الأحزاب الشيوعية والحركات الاجتماعية والتي تتوالد على امتداد المعمورة فى مواجهة الامبريالية والاستغلال وأذرعها الاقتصادية والعسكرية الجبارة، سوف يبقى إرث « كاسترو» بكل ما ينطوي عليه من معان وقيم ومبادئ منبعاً لا ينفد للأفكار والحلو المبتكرة للمشكلات، أساسها جميعا الثقة فى الشعب، لا الوصاية عليه الشىء الذي أدركة الساسة السوفييت متأخرين حين تركوا البلاد تنزلق إلى الهاوية التي سقطت فيها، وفقد السند الثلاثي التقدمي والانساني الذي قاد تجارب التحرر والعدالة فى كل من البلدان النامية ومنظومة البلدان الاشتراكية وتجربة الديمقراطية الاجتماعية فى أوروبا وأمريكا، أي البلدان الاشتراكية وحركة التحرر الوطني والديمقراطية الاجتماعية.
تميز إرث «كاسترو» الفكري والعملي بتقديم مفهوم جديد للسياسة ناقضا المفهوم البورجوازي الذي يرى فيها مجموعة من الألاعيب والحيل وأشكال التآمر حتى على الحلفاء، فالسياسة عند «كاسترو» هي فن تغيير العالم إلى الأفضل والقضاء على الاستغلال والظلم وصولا إلى الحرية الحقيقية، وهو ما استوعبه جيدا ملايين الثوريين فى جميع أنحاء العالم ليبقى هذا الإرث مزدهرًا وفاعلا مادمنا نقاوم .